الشوكاني
173
نيل الأوطار
والخفض قبل الامام من حديث أخرجه البزار عن أبي هريرة مرفوعا : الذي يخفض ويرفع قبل الامام إنما ناصيته بيد شيطان وأخرجه عبد الرزاق من هذا الوجه موقوفا وهو المحفوظ . قوله : أو يحول الله صورته الخ الشك من شعبة ، وقد رواه الطيالسي عن حماد بن سلمة وابن خزيمة ، عن حماد بن زيد ومسلم ، عن يونس بن عبيد والربيع بن مسلم ، كلهم عن محمد بن زياد بغير تردد ، فأما الحمادان فقالا : رأس . وأما الربيع فقال : وجه ، وأما يونس فقال : صورة ، والظاهر أنه من تصرف الرواة ، قال عياض : هذه الروايات متفقة لأن الوجه في الرأس ومعظم الصورة فيه . قال الحافظ : لفظ الصورة يطلق على الوجه أيضا ، وأما الرأس فرواتها أكثر وهي أشمل فهي المعتمد ، وخص وقوع الوعيد عليها لأن بها وقعت الجناية . وظاهر الحديث يقتضي تحريم الرفع قبل الامام لكونه توعد عليه بالمسخ وهو أشد العقوبات ، وبذلك جزم النووي في شرح المهذب ، ومع القول بالتحريم فالجمهور على أن فاعله يأثم وتجزئه صلاته ، وعن ابن عمر يبطل ، وبه قال أحمد في رواية وأهل الظاهر بناء على أن النهي يقتضي الفساد والوعيد بالمسح في معناه . وقد ورد التصريح بالنهي في رواية أنس المذكورة في الباب عن السبق بالركوع والسجود والقيام والقعود ، وقد اختلف في معنى الوعيد المذكور فقيل : يحتمل أن يرجع ذلك إلى أمر معنوي ، فإن الحمار موصوف بالبلادة ، فاستعير هذا المعنى للجاهل بما يجب عليه من فرض الصلاة ومتابعة الامام ، ويرجح هذا المجاز أن التحويل لم يقع مع كثرة الفاعلين ، ولكن ليس في الحديث ما يدل على أن ذلك يقع ولا بد ، وإنما يدل على كون فاعله متعرضا لذلك ، ولا يلزم من التعرض للشئ وقوعه ، وقيل : هو على ظاهره ، إذ لا مانع من جواز وقوع ذلك ، وقد وردت أحاديث كثيرة تدل على جواز وقوع المسخ في هذه الأمة ، وأما ما ورد من الأدلة القاضية برفع المسخ عنها فهو المسخ العام ، ومما يبعد المجاز المذكور ما عند ابن حبان بلفظ : أن يحول الله رأسه رأس كلب لانتفاء المناسبة التي ذكروها من بلادة الحمار . ومما يبعده أيضا إيراد الوعيد بالامر المستقبل ، وباللفظ الدال على تغيير الهيئة الحاصلة ، ولو كان المراد التشبيه بالحمار لأجل البلادة لقال مثلا : فرأسه رأس حمار ، ولم يحسن أن يقال له : إذا فعلت ذلك صرت بليدا ، مع أن فعله المذكور إنما نشأ عن البلادة . ( واستدل ) بالأحاديث المذكورة على جواز المقارنة ، ورد بأنها دلت بمنطوقها على منع المسابقة ، وبمفهومها على طلب المتابعة ، وأما المقارنة فمسكوت عنها . قوله : ولا بالانصراف قال النووي : المراد بالانصراف السلام انتهى . ويحتمل أن يكون المراد النهي عن الانصراف من مكان الصلاة قبل الامام لفائدة أن يدرك المؤتم الدعاء ، أو لاحتمال أن يكون الامام قد حصل له في صلاته سهو فيذكر وهو في المسجد ، ويعود له كما في قصة ذي